محمد بن زكريا الرازي

408

الحاوي في الطب

لي : ما ذكره جالينوس في تفسير هذا الكلام فبيّن والذي يريد به - عندي - أن ضمك الاستدلال من الرياح إلى الاستدلال من حال الوقت في الحر والبرد والرطوبة واليبس يقوي ويعظم دلائله . مثال ذلك : أن الربيع إذا كان جنوبيا كانت الأمراض الربيعية أكثر وأقوى ، وبالضد عند انقلابات الزمان بعضها إلى بعض قد تحدث الأمراض وعند تغير الوقت عن طبيعته الخاص بمقدار عظيم يغيره . وانقلاب الأزمنة بعضها إلى بعض على تدريج طويل وثيق جدير في الصحة . والبدن المعتدل ينتفع بالهواء المعتدل والخارج عن الاعتدال ينتفع بالهواء المضاد ويعظم ضرره بالموافق . والشتاء لما كانت الأبدان فيه لا تتعب بالأعمال ولا بالتردد في الشمس ولا يأكلون الفواكه بل الأطعمة الجيدة النضيجة تحفظ الصحة ، والخريف لأنهم يترددون فيه في الشمس ويأكلون الفواكه تبرز في الأبدان الجرب المتقشر والقوابي والسرطانات وأوجاع المفاصل والنقرس ويحدث فيها الحكاك عند تغير الهواء من الحال الشمالية إلى الجنوبية ، وذلك أن الجنوبية ترطب هذه ولا تنشف ما يتحلل منها ، وكذا من كان الامتلاء يسرع إلى رأسه فإنه يحس بالامتلاء من الجنوب بسرعة ، وكذا في أحوال الشمال ، وتهيج أوجاع المثانة والجنبين والصدر والسعال ، ومن به سعال من أجل قصبة الرثة فإنه يحس بتغير الهواء إلى الشمال سريعا . قالوا : وتغير الهواء ربما كان حافظا لنوائب معلومة فينبغي أن تتفقد ذلك ، وربما كان هبوبه بأدوار فإذا تفقدت ذلك قدرت أن تعرف كيف يتغير الهواء ويتغير الأبدان بتغيره ! فيستدل مرة من تغير الأبدان على تغير الهواء ومرة من تغير الهواء على تغير الأبدان إذا كانت السنة رطبة كلها أو يابسة كلها أو حارة أو باردة فإن الأمراض الكائنة فيها تطول وتزمن وتبقى قوية لازمة كانت كثيرة أو واحدة « 1 » ، وينبغي أن تنظر إلى الأمراض من أي المياه أو أي الأهوية تحدث ، وتتفقد ذلك وتحفظه فتعلم من ذلك ما يحدث بسهولة في كل وقت ، واعلم من كل زمان حال الأزمنة التي بعده بأن تتفقد ذلك . لي : مثال ذلك : إنك إذا تفقدت صيفة بها حال ما فوجدت الخريف بعدها بحال ما ، متى وجدت الصيف بتلك الحال ظننت أن الخريف بتلك الحال . من « كتاب ما بال » : اختناق الهواء وخثورته في البلدان الباردة في الشتاء أشد وأكثر منه في البلدان الحارة لأن هواءها لا ييبس بالشمس كما يجف في البلدان الحارة . وقال : عند الوباء يكثر الرسد . قال : إذا كان الصيف مطيرا جنوبيا كان ردي الخريف والشتاء . قال : السنة الكثيرة الأبخرة والرطوبات أكثر أمراضا إذا كان الشتاء جنوبيا والربيع

--> ( 1 ) لعلها : « كثيرة كانت أو واحدة » .